ابن تيمية

102

المسائل الماردينية

الصفات حرَّم هذا وأحل هذا ؛ وإذا كان هذا الخبث وقع منه قطرة كقطرة دم أو قطرة خمر ، وقد استحالت ، واللبن باقٍ على صفته ، والزيت باقٍ على صفته ، لم يكن لتحريم ذلك وجه ، فإن تلك قد استهلكت واستحالت ولم يبقَ لها حقيقة يترتب عليها شيء من أحكام الدم والخمر . وإنما كانت أولى بالطهارة من الماء لأن الشارع رخَّص في إراقة الماء وإتلافه ، حيث لم يُرخص في إتلاف المائعات ، كالاستنجاء فإنه يستنجي بالماء دون هذه ، وكذلك إزالة سائر النجاسات بالماء . وأما استعمال المائعات في ذلك فلا يصح سواء قيل : تزول النجاسة أو لا تزول ، ولهذا قال من قال من العلماء : إن الماء يُراق إذا وَلَغَ فيه الكلب ، ولا تراق آنية الطعام والشراب . وأيضًا ، فإن الماء أسرع تغيرًا بالنجاسة من الملح ؛ والنجاسة أشد استحالة في غير الماء منها في المائعات ؛ فالمائعات أبعد عن قبول التنجيس حسًّا وشرعًا من الماء ، فحيث لا ينجس الماء فالمائعات أولى أن لا تنجس . وأيضًا ، فقد ثبت في صحيح البخاري وغيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنه سُئِل عن فأرة وقعت في سمن ، فقال : " ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم " ( 1 ) ، فأجابهم النبي - صلى الله عليه وسلم - جوابًا عامًا مطلقًا بأن يلقوها وما

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 235 ، 236 ) .